يوليو 2009


 

حلم قديم راود البشر.. عاش في أحلامهم عبر العصور.. وأصبح محور عديد من الأساطير.. من منا ينسى أسطورة “هي أو عائشة” الحسناء الخالدة التي عاشت آلاف السنين في شباب دائم وجمال بديع تغري به عشاقها في كل جيل.. وكان سر شبابها الأبدي هو عثورها على ينبوع سحري ترتشف منه بين الآونة والأخرى فيمنحها الشباب والصحة والجمال والسحر والرونق والبهاء والجاذبية والحب.. وحسبها ذلك عطية أثمن من المال والشهرة وامتلاك العالم بأسره.. 

 

 مرت عصور تداوى فيها البشر بالأعشاب واللمسة والكلمة والرقية، ولم يصل أحد الى هذا الينبوع العجيب الذي بحث عنه الجميع في كل مكان دون جدوى.. الا المكان الوحيد الذي لم يبحث فيه أحد حيث يوجد بالفعل.. فقد احتاج ذلك الينبوع الى أقصي درجات التكنولوجيا والعلوم المتطورة للوصول اليه.. وكان مكانه غير المتوقع هو.. الخلية الانسانية..

 

 

في عام 1998حبس العالم أنفاسه وهو يرقب علماء من جامعة تكساس يحملقون في ميكروسكوباتهم الالكترونية بفرح شديد ثم يتبادلون عبارات التهاني والاعجاب المتبادل، فقد اكتشفوا للتو كيف يحعلون الخلية تعيش طويلا بدون شيخوخة أو تلف. وقد لا يجعل ذلك الاكتشاف الناس أصغر سنا أو يعمرون للأبد، ولكنه بلا شك يجعلهم يعيشون طويلا في صحة جيدة.

                  

في ذلك الاكتشاف المذهل استطاع العلماء أن يجعلوا الخلايا تعيش لفترة أطول في حالة شباب وصحة عن طريق إغلاق عمليتا الشيخوخة والموت اللتان تتمان بطريقة طبيعية في الخلايا . وعن طريق الابقاء على الخلايا حية وقابلة للانقسام يمكن للعلماء أن يسيطروا على المشاكل المرتبطة بالتقدم في العمر مثل تجعد الجلد وتدهور البصر في العيون والإصابة بأمراض القلب. كما يمكن أن يقود الكشف الى انتاج عقاقير يمكنها وقاية الخلايا من الموت والحفاظ على وظائف أجزاء الخلايا التي تتدهور عادة مع التقدم في السن.    

 

في العادة يكون للخلية الانسانية عمر محدد، فتنقسم عدة مرات معروفة قبل أن تموت وينتهي أمرها، ولكن الباحثين وجدوا أنه باضافة انزيم معين يدعى “تيلوميريز Telomerase” الى كروموسومات الخلايا فان الخلايا تستمر في الانقسام دون أن تظهر أي علامات على الشيخوخة أو الموت. وهكذا يوضح هذا البحث امكانية أخذ خلايا انسان ما لكي تعالج لمقاومة الشيخوخة ثم اعادتها الى صاحبها لكي تعالجه بشبابها من أمراضه المختلفة. وأمكن انتاج انزيم توليميريز من الخلايا القابلة للانقسام مثل الموجودة في البيض والخلايا المنوية ، بعد ذلك يتم حقنها في كروموسومات الخلايا. وهذا الانزيم يؤثر في الجزء النهائي من الكروموسوم ويدعى “التوليمر Tolemer” وهو الذي يقوم بالحماية، كما يحمل أيضا الجينات التي تنقل الصفات  الوراثية. ومن المعروف أنه في كل مرة تنقسم الخلية تفقد جزء من التوليمر وهكذا يقصر طوله فيفقد قدرته على حماية الكروموسوم، كما تفقد الخلية قدرتها على الانقسام فتموت. اذن فالتوليمر يعمل مثل الساعة البيولوجية التي توقف انقسام الخلية وتسبب الشيخوخة. ولكن انزيم التوليميريز يحافظ على التوليمر فلا يفقد جزء من طوله، وبالتالي فان الخلية لا تشيخ ولا تموت.

 

وفي الطبيعة لا يمكن للخلية العادية أن تنتج انزيم التوليميريز، ولكن الخلايا الجنسية الانجابية يمكنها ذلك، كما يمكن ذلك للخلايا السرطانية، وهو مايجعلها تنمو بلا ضابط وبلا توقف.

 

وقد تمكن فريق العلماء من نقل الجين الذي يصنع انزيم التوليميريز الى الخلايا الانسانية في المعمل، ثم تركت الخلايا لكي تنقسم، ووجد العلماء أن الانزيم ساعد التوليمر الموجود بالكروموسوم على النمو مرة أخرى، وازادت فرصة اطالة عمر الخلية بالتالي. ويقول العلماء أن الخلايا تتوقف عن الانقسام بعد 70 جيلا، ولكي الخلايا التي تلقت الجين في المعمل قد انقسمت أكثر من مائة جيل ولم تظهر هذه الخلايا أية دلالات على بطء معدل انقسامها. واطمأن العلماء أن الخلايا المنقسمة لم تظهر أية علامات على اصابتها بالسرطان مما أراح بال المتشككين. وكان العلماء قد استخدموا خلايا من جلد الانسان، وأيضا خلايا مأخوذة من شبكية العين وأخرى مأخوذة من داخل الشرايين، وكل هذه الأنواع من الخلايا أظهرت قدرة على تنمية التوليمر في الكروموسوم وبالتالي حفاظها على قدرتها على الانقسام والعمر الطويل.

 

أهم تطبيقات هذا الاكتشاف المذهل هو العلاج السريع لتآكل جزء من شبكية العين الذي يعتبر سبب هام للاصاب بفقدان البصر، وأيضا في علاج تدمير الجلد الناتج عن الحروق، وكذلك في علاج تصلب الشرايين الذي يسبب أمراض القلب. ويتم هذا العلاج الموعود عن طريق معالجة خلايا المريض حتى تعود لشبابها ثم اعادة حقنها مرة أخرى

 

ان الميتوكوندريا تشيخ وتضعف ثم تتوقف عن العمل عندما تتعرض للأكسدة ، وهذه عملية تنتج ذرات الأكسجين الحرة غير المستقرة التي تنتج بدورها الشوارد الحرة ، وهي ناتج ثانوى عن عملية انتاج الطاقة في الخلية ، ولأن الميتوكوندريا هي المركز النشط لانتاج الطاقة لكل الخلية فانها تموج بعديد من الشوارد الحرة التي تسبب تلف الخلايا، والأهم من هذا تلف الميتوكوندريا ذاتها فتشيخ ويضعف انتاجها للطاقة مما يؤدي الى شيخوخة الخلية والجسم بالكامل . 

   

 

ومن الأهمية هنا الاشارة الى أن من يزاولون الرياضات التنافسية العنيفة يكونون عرضة أكثر لانتاج الشوارد الحرة المدمرة ، مما يستوجب اهتمامهم بتناول مضادات الأكسدة بانتظام ، كما ينصح بذلك لكل الناس على وجه العموم ، مع الأخذ في الاعتبار تناول فيتامين ب المركب الذي يحتوي على عوامل مساعدة لتجديد مضادات الأكسدة وأيضا لاحتوائه على عوامل مهمة لانتاج الطاقة وبناء الجسم .

 

ويجب أن يكون معلوما أن عوامل الهدم في الجسم تحدث أيضا نتيجة للتعرض للتلوث والضغوط النفسية وتناول الطعام غير الصحي والتدخين وغيره من العادات الضارة ، وأيضا الاصابات الجسدية التي ينتج عنها الشوارد الحرة . كل هذه العوامل تسبب الاصابة بالشيخوخة وتهدد بالاصابة بالسرطانات وأمراض القلب وأمراض المناعة وغير ذلك من الاحتمالات المرضية الهدامة ، وهذه كلها يمكن الوقاية منها بتناول مضادات الأكسدة

 

 

 يا سلام.. حلم لذيذ يراود كل زائدي الوزن.. يا سلام لو أصبح من الممكن خفض الوزن بدون مجهود أو حرمان.. ناكل ونشرب وننبسط ..فاست فود .. هامبورجر وبيتزا.. ومشروبات غازية وعصائر .. لا وإيه؟ وآيس كريم وجاتوهات وحلويات شامية .. أحمدك يا رب.. حلم يشبه حلم على بابا الفقير الغلبان الكحيان أن يجد مغارة يكنز فيها اللصوص ما يسرقونه من دهب ومرجان وياقوت.. وما خزنوه طوال عمرهم من النفائس والكنوز يسطو هو عليه في دقيقة فيصبح أغنى الأغنياء.. هكذا بدون مجهود ولا عمل ولا تعب.  


 

مما لا شك فيه أن قصة على بابا والأربعين حرامي حدثت بالفعل.. ولكن في أحلام يقظة على بابا الحطاب الفقير الذي كان يغفو تحت ظلال شجرة في الغابة بدلا من أن يجد ويجتهد في قطع الحطب ليبيعه في السوق ليجد قوت يومه هو وعياله.. لكنه فضل على ذلك الولوج الى حلم يقظة لذيذ ومخدر يحظى فيه بكل شيء دون أن يبذل أي مجهود.. حتى أنه حلمه كان أن ينال مسروقات اللصوص دون أن يبذل أي جهد حتى في مشاركتهم في التخطيط للسرقة والتعرض لمخاطر القيام بها.

 

ولكن.. لماذا تذكرنا على بابا الآن؟ لأن نموذج الانسان الذي يحصل على كل شيء مقابل لا شيء هو النموذج الذي نريد أن نتحدث عنه ولكن من منظور خفض الوزن.. فهناك من يريد أن يخفض وزنه ولكن بشروطه الكسولة غير المستعدة لبذل أي جهد.. فهو يتأفف من الابتعاد عن الحلويات.. ويصمم على تحلية مشروباته بالسكر الأبيض.. ويرغب بشدة في تناول الخبز أو الأرز  في كل الوجبات.. ويرفض بشدة أي تعليمات قد تشعره بالحرمان مما تسبب في زيادة وزنه التي يشكو منها مر الشكوى.

 

واذ نشبه الرشاقة والصحة بالجوهرة الثمينة.. هل رأى أحدكم بائع مجوهرات يهب جواهره الغالية لمن يطلبها دون أن يدفع ثمنها؟ وهل يجرؤ أحدكم على طلب جوهرة غالية الثمن من بائعها ثم التمسك بها مع رفض دفع ثمنها؟ من المؤكد أن البائع وقتها سيرفض ترك الجوهرة بين يديك وقد يتشاجر معك أو يطلب لك الشرطة لكي تضعك في السجن جراء هذا الوضع غير المفهوم ولا المقبول ولا الشرعي.. وعلى أقل القليل سيحرمك من رغبتك في امتلاك هذه الجوهرة.

 

والصحة جوهرة.. وهي أثمن جواهرك.. وبدونها لن تكون سعيدا أو تتمتع بأي شيء حلو في الحياة.. وهذه الجوهرة تستحق أن تحوز عليها وأن تحافظ عليها بأي ثمن.. حتى لو كان الثمن حرمانك من بعض عاداتك الغذائية السيئة!